الشيخ حسن أيوب
57
الحديث في علوم القرآن والحديث
[ سورة فصلت آية : 33 ] . فقد قالت عائشة ، وابن عمر ، وعكرمة ، وجماعة : إنها نزلت في المؤذنين والآية مكية ولم يشرع الأذان إلا بالمدينة . ومن أمثلة ما تأخر نزوله عن حكمه : آية الوضوء . ففي صحيح البخاري عن عائشة رضي اللّه عنها قالت : سقطت قلادة لي بالبيداء ونحن داخلون المدينة فأناخ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ونزل فثنى رأسه في حجري راقدا ، وأقبل أبو بكر ، فلكزني لكزة شديدة وقال : حبست الناس في قلادة ، ثم إن النبي صلّى اللّه عليه وسلم استيقظ وحضرت الصبح ، فالتمس الماء فلم يوجد ، فنزلت : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ إلى قوله لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [ سورة المائدة آية : 6 ] ، فالآية مدنية إجماعا وفرض الوضوء كان بمكة مع فرض الصلاة . قال ابن عبد البر : معلوم عند جميع أهل المغازي أنه صلّى اللّه عليه وسلم لم يصلّ منذ فرضت عليه الصلاة إلا بوضوء ، ولا يدفع ذلك إلا جاهل أو معاند . قال : والحكمة في نزول آية الوضوء مع تقدم العمل به ؛ ليكون فرضه متلوّا بالتنزيل . وقال غيره : يحتمل أن يكون أول الآية نزل مقدما مع فرض الوضوء ، ثم نزل بقيتها ، وهو ذكر التيمم في هذه القصة . قلت : يرده الإجماع على أن الآية مدنية . ومن أمثلته أيضا : آية الجمعة فإنها مدنية والجمعة فرضت بمكة . وقول ابن الغرس : إن إقامة الجمعة لم تكن بمكة قط ، يرده ما أخرجه ابن ماجة عن عبد الرحمن بن كعب ابن مالك ، قال : كنت قائد أبي حين ذهب بصره ، فكنت إذا خرجت به إلى الجمعة فسمع الأذان ، يستغفر لأبي أمامة ، أسعد بن زرارة ، فقلت : يا أبتاه أرأيت صلاتك على أسعد بن زرارة كلما سمعت النداء بالجمعة لم هذا ؟ قال : أي بني : كان أول من صلى بنا الجمعة قبل مقدم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من مكة . ومن أمثلته أيضا قوله تعالى : إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ [ سورة التوبة آية : 60 ] . فإنها نزلت سنة تسع ، وقد فرضت الزكاة قبلها في أوائل الهجرة . قال ابن الحصار : فقد يكون مصرفها قبل ذلك معلوما ولم يكن فيه قرآن متلو ، كما كان الوضوء معلوما قبل نزول الآية ، ثم نزلت تلاوة القرآن تأكيدا به .